أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

528

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرئ شاذا : « قتال فيه » بالرفع « 1 » ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ والجارّ والمجرور بعده خبر ، وسوّغ الابتداء به وهو نكرة أنه على نية همزة الاستفهام ، تقديره : أقتال فيه . والثاني : أنه مرفوع باسم فاعل تقديره : أجائز قتال فيه ، فهو فاعل به . وعبّر أبو البقاء في هذا الوجه بأن يكون خبر مبتدإ محذوف ، فجاء رفعه من ثلاثة أوجه : إمّا مبتدأ وإمّا فاعل وإمّا خبر مبتدإ . قالوا : ويظهر هذا من حيث إنّ سؤالهم لم يكن عن كينونة القتال في الشهر أم لا ، وإنما أكان سؤالهم : هل يجوز القتال فيه أو لا ؟ وعلى كلا هذين الوجهين فهذه الجملة المستفهم عنها في محلّ جر بدلا من الشهر الحرام ، لأنّ « سأل » قد أخذ مفعوليه فلا تكون هي المفعول وإن كانت محطّ السؤال . وقوله : « فيه » على قراءة خفض « قتال » فيه وجهان : أحدهما : أنه في محلّ خفض لأنه صفة ل « قتال » . والثاني : أنه في محلّ نصب لتعلّقه بقتال . لكونه مصدرا . وقال أبو البقاء : « كما يتعلّق بقاتل » ولا حاجة إلى هذا التشبيه ، فإنّ المصدر عامل بالحمل على الفعل . والضمير في « يسألونك » قيل للمشركين ، وقيل للمؤمنين . والألف واللام في « الشهر » قيل : للعهد وهو رجب ، وقيل : للجنس فيعمّ جميع الأشهر الحرم . قوله : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ جملة من مبتدإ وخبر ، محلّها النصب بقل ، وجاز الابتداء بالنكرة لأحد وجهين : إمّا الوصف ، إذا جعلنا قوله « فيه » صفة له وإمّا التخصيص بالعمل إذا جعلناه متعلقا بقتال ، كما تقدّم في نظيره . فإن قيل : قد تقدّم لفظ نكرة وأعيدت من غير دخول ألف ولام عليها وكان حقّها ذلك ، كقوله تعالى : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ « 2 » فقال أبو البقاء : « ليس المراد تعظيم القتال المذكور المسؤول عنه حتى يعاد بالألف واللام ، بل المراد تعظيم أيّ قتال كان ، فعلى هذا « قتال » الثاني غير الأول » ، وهذا غير واضح ؛ لأنّ الألف واللام في الاسم المعاد أولا لا تفيد تعظيما ، بل إنما تفيد العهد في الاسم السابق . والحسن منه قول بعضهم « 3 » : « إنّ الثاني غير الأول ، وذلك أنّ سؤالهم عن قتال عبد اللّه بن جحش ، وكان لنصرة الإسلام وخذلان الكفر فليس من الكبائر ، بل الذي من الكبائر قتال غير هذا ، وهو ما كان فيه إذلال الإسلام ونصرة الكفر ، فاختير التنكير في هذين اللفظين لهذه الدقيقة ، ولو جيء بهما معرفتين أو بأحدهما معرّفا لبطلت هذه الفائدة » . قوله : وَصَدٌّ فيه وجهان : أحدهما مبتدأ وما بعده عطف عليه ، و « أكبر » خبر عن الجميع . وجاز الابتداء بصدّ لأحد ثلاثة أوجه : إمّا لتخصيصه بالوصف بقوله : « عن سبيل اللّه » وإمّا لتعلّقه به ، وإمّا لكونه معطوفا ، والعطف من المسوّغات . والثاني : أنه عطف على « كبير » أي : قتال فيه كبير وصدّ ، قاله الفراء . قال ابن عطية : « وهو خطأ لأنّ المعنى

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 145 ) . ( 2 ) سورة المزمل ، الآيتان ( 15 - 16 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 146 ) .